عبد اللطيف البغدادي
94
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
السمع ، فإدراك السمع لجرس الأصوات المطلقة ، وتمييز خفيفها من ثقيلها ، وطويلها من قصيرها ، وقويها من ضعيفها ، مما يشترك فيه الحيوان ، وأما إدراك مقاطع الحروف والكلام وتخيّل المعنى المقصود منه فهو فعل آخر يختص به الإنسان ، وإنما القابل لهذا الأثر المنبعث من القوة الناطقة على الإنسان هو حاسة السمع ، فهذان العضوان آلتان عظيمتان للقوة الناطقة ، ليس لها آلة بالذات وخاصة بها غيرهما ، فهما آلتان لها بما هي عاقلة وقائمة بذاتها ، وناظرة إلى ذاتها ، وسائر الأعضاء آلات لها بما هي في مادّة وناظرة إلى جسميها « 1 » ، وهاتان الآلتان إحداهما مبدأ الإفادة والأخرى مبدأ الاستفادة . وإحداهما آلة القبض ، والأخرى آلة القبول ، وذلك لأن النفس عالمة بالطبع ، وبعض معلوماتها عندها بالفعل ، وبعضها عندها بالقوة ، فلكونها حكيمة تشتاق إلى تكميل ذاتها ولشوقها إلى تكميل ذاتها تشتاق أن تخرج فيما عزب عنها إلى أن تعلمه بالفعل ، فجعلت السمع طريق
--> ( 1 ) في الأصل ( جسمها ) دون نقطتى الياء .